ينتهي يوم العمل رسميًا عندما تغلقين جهاز الكمبيوتر، أو تغادرين المكتب، أو تسجلين خروجك من آخر اجتماع. لكن هل ينتهي العمل فعلًا في تلك اللحظة؟ أحيانًا لا.
قد تصلين إلى المنزل، وتبدئين في إعداد العشاء أو الجلوس مع الأسرة، بينما يستمر عقلك في مراجعة اجتماع الصباح، أو التفكير في رسالة لم تردي عليها، أو توقع ما ينتظرك في اليوم التالي. وقد تشعرين أن جسمك أيضًا لم ينتقل من حالة الاستنفار؛ الكتف مشدود، والتنفس أسرع من المعتاد، والتركيز ما زال مرتبطًا بالمهام، هذه الحالة تفسر لماذا قد يبدو الاسترخاء بعد العمل صعبًا رغم انتهاء ساعات الدوام.
المشكلة ليست دائمًا في أنك لا تعرفين كيف تسترخي، وإنما في أن الانتقال من متطلبات العمل إلى الحياة الشخصية لا يحدث تلقائيًا لدى الجميع. ويُعرف هذا الجانب في علم النفس المهني باسم الانفصال النفسي عن العمل؛ أي القدرة على التوقف ذهنيًا عن التفكير في العمل خلال وقت الراحة.
وتشير مراجعة منهجية شملت 159 دراسة إلى أن الانفصال النفسي عن العمل يمثل تجربة تعافٍ مهمة للصحة والرفاه والأداء، وأن متطلبات العمل والتقنيات التي تجعل حدود العمل والحياة الخاصة أكثر ضبابية يمكن أن تجعل هذا الانفصال أكثر صعوبة.
لذلك، قد لا تحتاجين بعد نهاية يوم طويل إلى «المزيد من القوة» حتى تسترخي، بل إلى مرحلة انتقال واضحة تساعد العقل والجسم على إدراك أن وقت العمل انتهى.
لماذا يصعب الاسترخاء بعد العمل؟
لأن انتهاء المهمة لا يعني انتهاء الاستجابة للضغط
خلال يوم العمل، قد يحتاج الإنسان إلى التركيز المستمر، اتخاذ القرارات، الرد على الرسائل، حل المشكلات، التعامل مع العملاء أو الزملاء، ومتابعة المواعيد النهائية.
حتى عندما تكون هذه المتطلبات جزءًا طبيعيًا من الوظيفة، فإنها تستهلك موارد ذهنية وانفعالية، وعندما ينتهي الدوام، لا يملك العقل زرًا ينتقل به فورًا من وضع العمل إلى وضع الراحة، قد تبقى الأسئلة مفتوحة:
- هل أنجزت كل شيء؟
- هل نسيت مهمة؟
- ماذا سيحدث في الاجتماع القادم؟
- هل كان ردي مناسبًا؟
- هل هناك رسالة يجب أن أرسلها؟
ومع استمرار هذه الأسئلة، يصبح الشخص موجودًا في المنزل لكنه لا يشعر بأنه خرج نفسيًا من العمل.
قد يستمر العمل على الهاتف
أصبح الهاتف جزءًا من الحياة المهنية لدى كثير من الأشخاص. إشعار واحد بعد انتهاء الدوام قد يعيد الانتباه إلى البريد أو مجموعة العمل أو مهمة لم تُنجز، وقد لا يستغرق الرد أكثر من دقيقة، لكن المشكلة ليست دائمًا في مدة الرد، بل في أن العقل عاد إلى سياق العمل.
ولهذا فإن التخلص من ضغط العمل لا يعني فقط إنهاء المهام، بل يتطلب أحيانًا وضع حدود واضحة بين وقت العمل ووقت الحياة الشخصية.
ما المقصود بـ الانفصال النفسي عن العمل؟
الانفصال النفسي لا يعني كراهية العمل أو تجاهل المسؤوليات، الانفصال ببساطة هو القدرة على عدم الاستمرار ذهنيًا في متطلبات العمل خلال الوقت المخصص للراحة، ويمكن أن تكوني في المنزل وتعرفي أن هناك مهمة تنتظرك غدًا، دون أن تقضي المساء كله في التفكير فيها وهذا الفرق مهم فالشخص الذي يقول:
سأتعامل مع هذه المهمة صباح الغد، قد يكون أكثر قدرة على الاسترخاء من شخص يقضي المساء في التفكير:
ماذا سأفعل غدًا؟ هل سأتمكن من إنهائها؟ ماذا لو حدثت مشكلة؟
وتدعم الأدلة أهمية هذا الانفصال، ففي تحليل تلوي شمل 86 منشورًا و91 عينة مستقلة وأكثر من 38 ألف موظف، ارتبط الانفصال النفسي عن العمل بمؤشرات أفضل للصحة النفسية، مثل انخفاض الإرهاق وارتفاع الرضا عن الحياة والرفاه وتحسن النوم، كما ارتبط بمستويات أقل من التعب وبحالة تعافٍ أفضل.
كيف تعرفين أن العمل ما زال معك بعد انتهاء الدوام؟
قد لا تلاحظين استمرار تأثير العمل لأنك اعتدتِ عليه. لكن هناك علامات عملية يمكن الانتباه إليها.
التفكير المستمر في مهام الغد
إذا كان ذهنك ينتقل مباشرة بعد انتهاء العمل إلى قائمة مهام اليوم التالي، فقد يكون من الصعب الوصول إلى حالة راحة حقيقية.
مراجعة المواقف المهنية
قد تعيدين محادثة معينة في رأسك:
- هل كان يجب أن أقول ذلك؟
- لماذا رد بهذه الطريقة؟
- هل فهم المدير ما قصدته؟
هذا النوع من التفكير قد يستمر حتى بعد انتهاء السبب المباشر.
صعوبة التركيز مع الأسرة
قد تجلسين مع أفراد الأسرة، لكن انتباهك يبقى مرتبطًا بالعمل. تسمعين الحديث، لكن ذهنك يعود إلى البريد الإلكتروني أو اجتماع الغد.
الشعور بأنك بحاجة إلى «فعل شيء» دائمًا
قد يصبح الهدوء نفسه غير مريح، فعندما تتوقف المهام، تشعرين بأن هناك شيئًا يجب إنجازه، فتنتقلين إلى الهاتف أو البريد أو ترتيب أشياء لا تحتاج إلى ترتيب.
استمرار التوتر الجسدي
قد تلاحظين شدًا في الفك أو الكتفين، أو تنفسًا سريعًا نسبيًا، أو صعوبة في الجلوس بهدوء.
هذه العلامات لا تعني وحدها وجود اضطراب أو مشكلة صحية؛ لكنها قد تكون إشارات إلى أن الانتقال من ضغط العمل إلى الراحة لم يكتمل بعد.
ماذا يحدث عندما لا نحصل على وقت كافٍ للتعافي؟
إذا انتهى يوم العمل ثم بدأ التفكير فيه مباشرة من جديد، فقد لا يحصل الشخص على مساحة كافية للانفصال والتعافي، ومع تكرار ذلك، قد يصبح الإرهاق أكثر وضوحًا.
وتشير مراجعة بحثية كبيرة إلى أن الانفصال عن العمل خلال وقت الراحة يرتبط بمجموعة من نتائج التعافي والرفاه، بينما يرتبط استمرار الأنشطة والأفكار المتعلقة بالعمل خارج أوقات العمل بانخفاض الانفصال النفسي.
لكن من المهم عدم تبسيط العلاقة.
ليس كل شخص يفكر في عمله مساءً يعاني بالضرورة من مشكلة، وليس كل ضغط مهني يمكن حله بإغلاق الهاتف لمدة ساعة. أحيانًا تكون المشكلة في عبء العمل نفسه، أو في ساعات العمل الطويلة، أو في عدم وضوح المسؤوليات، أو في بيئة مهنية شديدة الضغط.
ولهذا يجب أن يجمع التعامل مع الضغط بين تغيير ما يمكن تغييره في ظروف العمل وبين بناء عادات تساعد على التعافي عندما ينتهي العمل.
أين يأتي دور التنفس في الانتقال من الضغط إلى الهدوء؟
التنفس يحدث طوال الوقت، وهذا ما يجعله مختلفًا عن كثير من أدوات الاسترخاء، وعندما تكونين منشغلة، لا تحتاجين إلى تجهيز أدوات أو مكان خاص حتى تنتبهي إلى تنفسك، يمكنك استخدامه كإشارة انتقال:
انتهى العمل، والآن أبدأ مرحلة مختلفة من اليوم، لكن من المهم أن تكون التوقعات واقعية.
لا يعني ذلك أن التنفس يستطيع محو ضغط يوم كامل خلال دقيقتين، ولا أن كل تمرين تنفس سيؤدي إلى النتيجة نفسها.
وتوجد أدلة على أن تدخلات التنفس قد تساعد في خفض التوتر والقلق. ففي تحليل تلوي شمل 12 تجربة عشوائية و785 بالغًا، ارتبطت ممارسات التنفس بانخفاض صغير إلى متوسط في التوتر المُبلغ عنه مقارنة بمجموعات التحكم، مع وجود تفاوت بين الدراسات والحاجة إلى أبحاث أكثر صرامة.
كما وجدت مراجعة منهجية لـ19 دراسة أن 12 دراسة أبلغت عن تحسن في القلق و9 عن تحسن في التوتر بعد تدخلات تنفسية مختلفة، لكنها أشارت أيضًا إلى محدودية الأدلة الكبيرة عالية الجودة.
إذن، يمكن استخدام التنفس كجزء من روتين الانتقال من الضغط إلى الهدوء، وليس باعتباره علاجًا شاملًا لكل أسباب ضغط العمل.
لماذا قد يكون التنفس مناسبًا بعد يوم العمل؟
لأن الهدف في هذه المرحلة ليس إنجاز مهمة جديدة بل الانتقال، بدل أن تنتقلي مباشرة من:
اجتماعات – رسائل- قرارات – قيادة – منزل
يمكن أن تضيفي مرحلة قصيرة:
توقف – تنفس – ملاحظة – انتقال
هذه الدقائق قد تمنحك فرصة لملاحظة الفرق بين حالتك أثناء العمل وحالتك بعده.
- هل ما زلت مشدودة؟
- هل تتنفسين بسرعة؟
- هل عقلك يراجع اجتماعًا؟
- هل أنت فعلًا مستعدة للدخول في بقية يومك؟
مجرد ملاحظة هذه الأشياء يمكن أن تجعل الانتقال أكثر وعيًا.
روتين بسيط لـ10 دقائق للاستراحة بعد العمل
لا تحتاجين إلى جلسة طويلة حتى تبدئي في بناء عادة الاسترخاء بعد يوم طويل، حيث يمكن تجربة روتين بسيط من أربع مراحل.
الدقيقة الأولى: إعلان نهاية العمل
قبل مغادرة المكتب أو بعد إغلاق جهاز الكمبيوتر، خذي دقيقة لتحديد ما انتهى وما سينتقل إلى الغد.
اكتبي، إذا لزم الأمر، المهام التي تريدين تذكرها صباحًا.
الفكرة هنا هي عدم ترك العقل مسؤولًا عن حفظ قائمة مفتوحة طوال المساء.
قولي لنفسك بوضوح:
هذه المهام مسجلة، وسأعود إليها في وقت العمل.
هذه ليست محاولة لإقناع نفسك بأن العمل غير مهم، وإنما طريقة لإعطاء العقل نقطة توقف واضحة.
الدقائق من 2 إلى 4: ملاحظة التنفس
اجلسي أو قفي في وضع مريح، لا تحاولي أخذ أنفاس كبيرة بالقوة.، فقط لاحظي التنفس:
- كيف يدخل الهواء؟
- كيف يخرج؟
- هل النفس سريع؟
- هل هناك شد في الكتفين أو الفك؟
إذا كان التنفس طبيعيًا، اتركيه طبيعيًا، والهدف هنا هو الانتقال من الانشغال بالمهمة إلى ملاحظة الجسم.
الدقائق من 5 إلى 8: تنفس هادئ وبطيء
يمكن تجربة تنفس أبطأ قليلًا من المعتاد، بشرط أن يكون مريحًا.
- خذي شهيقًا هادئًا، ثم اتركي الزفير يخرج دون دفع أو إجبار.
- لا تحتاجين إلى حبس النفس.
- ولا تحتاجين إلى الوصول إلى عدد محدد من الأنفاس.
- إذا شعرتِ بالراحة، استمري لعدة دقائق.
توصلت تجربة عشوائية استمرت 12 أسبوعًا أن ممارسة التنفس البطيء بانتظام ارتبطت بانخفاض في الضغط النفسي، بينما لم يظهر تفوق واضح لنسبة زفير معينة على أخرى. وهذا يدعم فكرة التركيز على التنفس البطيء المريح بدل تحويل التمرين إلى أداء دقيق أو منافسة مع النفس.
الدقيقتان الأخيرتان: الانتقال إلى نشاط غير مهني
بعد الانتهاء، لا تنتقلي مباشرة إلى البريد الإلكتروني، ولكن اختاري نشاطًا يختلف عن العمل: المشي، الاستحمام، إعداد الطعام، الجلوس مع الأسرة، أو أي نشاط يساعدك على الانتقال إلى سياق مختلف.
فالهدف من الروتين ليس أن يكون التنفس هو النشاط الوحيد، بل أن يكون جسرًا بين العمل والراحة.
هل يجب أن يكون التنفس طويلًا وعميقًا؟
ليس بالضرورة ان يكون النفس طويل، ومن الأخطاء الشائعة الاعتقاد أن الاسترخاء يتطلب أخذ أكبر قدر ممكن من الهواء.
لكن التنفس المبالغ فيه أو القسري قد يكون غير مريح، وقد يسبب لدى بعض الأشخاص دوخة أو إحساسًا غير مريح.
الأفضل هو التنفس الذي تستطيعين المحافظة عليه دون إجهاد.
كما أن الأدلة لا تدعم فكرة وجود تقنية واحدة مثالية للجميع. ففي مراجعة منهجية لـ58 دراسة، كانت النتائج متفاوتة بين تدخلات التنفس، وظهرت مؤشرات على أن الممارسات الفعالة لم تعتمد عادة على التنفس السريع وحده، كما أن الممارسة المتكررة كانت أكثر حضورًا في التدخلات الناجحة، إذا تأكدي من:
- الراحة أهم من القوة.
- الانتظام أهم من المبالغة.
- والتنفس الطبيعي المريح أفضل من إجبار الجسم على نمط لا يناسبه.
ماذا تفعلين إذا استمر التفكير في العمل أثناء التنفس؟
قد تجلسين لثلاث دقائق وتكتشفين أن عقلك ما زال في الاجتماع الأخير.
هذا طبيعي، لا تحتاجين إلى طرد الفكرة.
عندما تظهر، جربي الخطوات التالية:
لاحظي
أنا أفكر في العمل الآن.
سمّي الموضوع
هذه فكرة عن اجتماع الغد.
اسألي
هل يوجد إجراء يمكنني القيام به الآن؟
إذا كان هناك إجراء ضروري، اكتبيه.
إذا لم يكن هناك إجراء، عودي إلى التنفس.
بهذه الطريقة، لا يصبح التنفس وسيلة للهروب من المشكلة، بل وسيلة لمنع العقل من الاستمرار في الدوران حولها دون نتيجة.
وهذه الفكرة مهمة خصوصًا لمن يعانون من التفكير المستمر بعد الدوام.
التنفس الواعي كجزء من روتين ما بعد العمل
يمكن أيضًا تحويل هذه الممارسة إلى عادة صغيرة بدل انتظار التوتر الشديد، مثلًا:
عند إغلاق الكمبيوتر – ثلاثة أنفاس هادئة.
عند ركوب السيارة – دقيقة لملاحظة التنفس.
عند الوصول إلى المنزل – وقفة قصيرة قبل الدخول في مسؤوليات المساء.
قبل تناول العشاء – ملاحظة بسيطة للجسم والتنفس.
وقبل النوم – ممارسة هادئة إذا كانت مناسبة لك.
لا يشترط أن تكون كل ممارسة طويلة، الأهم هو أن يبدأ العقل في الربط بين بعض هذه الإشارات وبين الانتقال من سياق العمل إلى سياق الراحة.
ويمكنك التوسع في بناء هذه العادة من خلال مقال تمارين التنفس اليومية: كيف تجعلين التنفس الواعي جزءًا من روتينك؟.
ماذا لو كان ضغط العمل شديدًا جدًا؟
هنا يجب ألا نختزل المشكلة في التنفس، إذا كنت تعملين لساعات طويلة جدًا، أو تتلقين رسائل مهنية طوال المساء، أو لديك عبء يفوق الوقت المتاح باستمرار، فقد يكون من الصعب تحقيق الاسترخاء مهما كان روتين التنفس جيدًا، في هذه الحالة، اسألي:
- هل يمكن تحديد وقت واضح لانتهاء العمل؟
- هل يمكن تعطيل الإشعارات المهنية؟
- هل توجد مهام يمكن تأجيلها؟
- هل يمكن مناقشة حجم العمل مع المسؤول؟
- هل هناك حدود واضحة بين وقت العمل والوقت الشخصي؟
توضح مراجعة منهجية حول الانفصال عن العمل أن متطلبات العمل نفسها يمكن أن تعيق الانفصال، وأن التدخلات التي تستهدف مصادر الضغط أو طريقة تقييم الشخص للضغوط يمكن أن تكون مفيدة.
بمعنى آخر، لا يمكن أن نعالج ضغطًا خارجيًا بالكامل بأداة داخلية.
ماذا عن استخدام الهاتف بعد الدوام؟
قد يكون الهاتف أحد أكبر العوائق أمام الاسترخاء بعد العمل، خصوصًا إذا كان يجمع بين التواصل الشخصي والمهني، يمكن تجربة قاعدة بسيطة:
- بعد انتهاء العمل، لا تفتحي تطبيقات العمل لمدة 30 دقيقة، إذا كانت طبيعة وظيفتك تسمح بذلك.
- وإذا كنت بحاجة إلى البقاء متاحة، يمكنك تحديد أوقات محددة للتحقق بدل فتح الإشعارات بشكل مستمر.
- ليس الهدف الانقطاع الكامل عن العالم، وإنما تقليل الانتقال المتكرر بين سياق العمل وسياق الحياة الخاصة.
الانفصال النفسي يصبح أصعب عندما يستمر النشاط المرتبط بالعمل خلال وقت الراحة، وهو ما تدعمه نتائج التحليل التلوي حول علاقة النشاط المرتبط بالعمل خارج ساعات الدوام بضعف الانفصال النفسي.
كيف يؤثر الاسترخاء بعد العمل في الحياة الشخصية؟
عندما يدخل الشخص المنزل وهو ما زال في حالة تأهب، قد لا يتأثر هو وحده، ولكن كل من حوله، فقد يصبح أقل صبرًا في الحديث مع الأسرة، أو يجد صعوبة في الاستماع، أو يشعر أن أي طلب إضافي يمثل عبئًا.
ولهذا فإن الاسترخاء بعد العمل ليس رفاهية فقط، الاسترخاء بعد العمل قد يساعد على جعل الانتقال إلى الأدوار الأخرى أكثر سلاسة: شريكة، أم، أب، ابنة، صديق، أو حتى شخص يحتاج إلى وقت خاص لنفسه.
لكن لا ينبغي تحميل الفرد مسؤولية حماية الأسرة من كل آثار العمل. بيئة العمل نفسها، وحجم الضغط، وتقسيم المسؤوليات المنزلية، والظروف الحياتية كلها عوامل مهمة.
متى يكون التنفس وحده غير كافٍ؟
إذا كان التوتر بعد العمل يحدث بشكل يومي وبدرجة عالية، أو يصاحبه قلق مستمر، أو اضطراب واضح في النوم، أو إرهاق شديد، أو فقدان القدرة على الاستمتاع بالأنشطة المعتادة، فقد يكون من المفيد النظر إلى الصورة الأوسع.
وقد يحتاج الشخص إلى تقييم أسباب الضغط، أو الدعم النفسي المتخصص، أو تغييرات في ظروف العمل والحياة اليومية.
كما أن تمارين التنفس ليست بديلًا عن الرعاية الطبية أو النفسية عند الحاجة.
وإذا كانت هناك أعراض جسدية شديدة أو جديدة، مثل ألم الصدر، أو ضيق النفس الشديد، أو الإغماء، أو أعراض غير معتادة، فلا ينبغي افتراض أنها مجرد نتيجة لضغط العمل.
متى قد تكون جلسات التنفس مناسبة؟
قد يكون من السهل معرفة تمرين بسيط من الإنترنت، لكن بعض الأشخاص يحتاجون إلى مساحة منظمة لفهم العلاقة بين الضغط والتنفس والجسم، قد يكون ذلك مفيدًا عندما:
- يصعب عليك الانتقال من العمل إلى الراحة رغم المحاولات.
- تشعرين بأن جسمك يبقى في حالة توتر بعد الدوام.
- يتغير تنفسك بوضوح أثناء الضغط.
- يصبح التفكير في العمل مستمرًا خارج ساعات الدوام.
- تجدين صعوبة في بناء ممارسة منتظمة بمفردك.
- تحتاجين إلى فهم الممارسة المناسبة لك بدل تجربة تقنيات كثيرة عشوائيًا.
يمكن في هذه الحالة الاطلاع على مقال متى تحتاج إلى جلسات التنفس؟ علامات إرهاق وتوتر يرسلها جسمك.
جلسات تهدئة العقل صمت الأفكار بعد يوم العمل
أحيانًا لا يكون الإرهاق في الجسم وحده، قد ينتهي العمل، لكن الأفكار تستمر:
- ماذا لو لم أنجز المهمة؟
- هل كان حديثي مناسبًا؟
- ماذا سيحدث غدًا؟
- لماذا ما زلت أفكر في الموضوع؟
في هذه الحالة، قد تحتاجين إلى العمل على جانب الانشغال الذهني إلى جانب الاسترخاء الجسدي.
وهنا تأتي أهمية جلسات تهدئة العقل صمت الأفكار كمساحة مخصصة لمن يشعر بأن ذهنه لا ينتقل بسهولة من الضغط إلى الهدوء.
والهدف ليس إجبار العقل على عدم التفكير؛ فالعقل بطبيعته ينتج الأفكار. الهدف هو تعلم التعامل مع هذا النشاط الذهني بطريقة لا تجعلك عالقة في العمل طوال المساء.
يمكنك استكشاف جلسات تهدئة العقل صمت الأفكار ومعرفة ما إذا كان هذا النوع من الممارسة يتناسب مع احتياجك.
أسئلة شائعة عن الاسترخاء بعد العمل
لماذا لا أستطيع الاسترخاء بعد العمل؟
قد يكون السبب أن العقل ما زال منشغلًا بمتطلبات العمل أو أن حدود العمل والوقت الشخصي غير واضحة. وقد يؤدي استمرار التفكير والأنشطة المهنية بعد الدوام إلى صعوبة الانفصال النفسي عن العمل.
هل التنفس يساعد على التخلص من ضغط العمل؟
يمكن أن تساعد ممارسات التنفس المنظمة بعض الأشخاص على خفض التوتر والقلق، لكن التنفس لا يزيل مصادر ضغط العمل نفسها. لذلك من الأفضل استخدامه كأداة مساندة ضمن روتين التعافي، إلى جانب التعامل مع أسباب الضغط عندما يكون ذلك ممكنًا.
كم دقيقة أحتاج إلى التنفس بعد العمل؟
يمكن البدء بثلاث إلى خمس دقائق من التنفس الهادئ والمريح، ثم زيادة المدة إذا كانت مناسبة لك. لا توجد مدة إلزامية، والأهم هو الراحة والانتظام.
هل أحتاج إلى التنفس العميق حتى أسترخي؟
لا. ليس الهدف أخذ أكبر قدر ممكن من الهواء، بل الوصول إلى تنفس مريح وهادئ. إجبار النفس على التنفس العميق قد يكون مزعجًا لبعض الأشخاص.
ماذا أفعل إذا كنت أفكر في العمل أثناء الاسترخاء بعد العمل؟
لا تحاولي منع الفكرة بالقوة. لاحظيها، وحددي ما إذا كانت تحتاج إلى إجراء عملي الآن. إذا لم تكن هناك خطوة ضرورية، اكتبيها إن احتجتِ ثم عودي إلى التنفس.
هل إغلاق الهاتف يساعد على الاسترخاء بعد العمل؟
قد يساعد تقليل الإشعارات والرسائل المهنية على خلق حدود أوضح بين العمل والوقت الشخصي، خصوصًا إذا كانت الاتصالات المهنية تستمر طوال المساء. لكن إمكانية ذلك تعتمد على طبيعة الوظيفة.
هل جلسات التنفس مناسبة للجميع؟
قد تكون تمارين التنفس مريحة لكثير من الأشخاص، لكن الاستجابة تختلف. وإذا سببت لك ممارسة معينة دوخة أو ضيقًا أو انزعاجًا، فتوقفي عنها وعودي إلى التنفس الطبيعي، واطلبي تقييمًا مناسبًا إذا كانت الأعراض غير معتادة أو شديدة.
لا يكفي أن ينتهي العمل، بل يحتاج العقل إلى فرصة ليخرج منه
قد ينتهي يوم العمل على الساعة، لكن الاسترخاء بعد العمل يحتاج أحيانًا إلى انتقال مقصود، فالتفكير في المهام، والإشعارات، والضغط المستمر، وعدم وجود حدود واضحة بين العمل والحياة الشخصية، كلها عوامل قد تجعل العقل يستمر في التعامل مع العمل حتى بعد مغادرة المكتب.
وهنا يمكن أن يكون التنفس أداة بسيطة لبناء هذه المرحلة الانتقالية. بضع دقائق من ملاحظة التنفس ثم التنفس الهادئ قد تساعد بعض الأشخاص على خفض مستوى التوتر وتوجيه الانتباه إلى اللحظة الحالية، لكن فائدتها تكون أكبر عندما تأتي ضمن روتين أوسع للتعافي، وليس باعتبارها حلًا منفردًا لكل مشكلات العمل.
ابدئي بخطوة صغيرة: أنهي العمل، سجلي ما يجب أن تتذكريه غدًا، خذي دقائق لملاحظة تنفسك، ثم انتقلي إلى نشاط مختلف تمامًا عن العمل.
ومع التكرار، يمكن أن يصبح هذا الروتين إشارة واضحة للعقل بأن يوم العمل انتهى، وأن هناك مساحة الآن للراحة والحياة الشخصية.
أما إذا ظل عقلك في العمل لساعات بعد انتهائه، أو أصبح التوتر جزءًا ثابتًا من يومك، فقد يكون من المفيد النظر إلى ما وراء الأعراض وفهم أسباب الضغط نفسها، والاستعانة بممارسة منظمة مثل جلسات التنفس أو جلسات تهدئة العقل صمت الأفكار عندما تكون مناسبة لاحتياجك كي تصل الاسترخاء بعد العمل.
المصادر العلمية
Agolli, A., & Holtz, B. C. (2023). Facilitating detachment from work: A systematic review, evidence-based recommendations, and guide for future research. Journal of Occupational Health Psychology, 28(3), 129–159.
Karabinski, T., Haun, V. C., Nübold, A., Wendsche, J., & Wegge, J. (2021). Interventions for improving psychological detachment from work: A meta-analysis. Journal of Occupational Health Psychology, 26(3), 224–242.
Sonnentag, S., & Fritz, C. (2015/2017). Recovery from job stress: The stressor-detachment model as an integrative framework. كما دُعمت أهمية الانفصال النفسي بنتائج تحليل تلوي شمل 86 منشورًا و91 عينة مستقلة و38,124 موظفًا.
Fincham, G. W., Strauss, C., Montero-Marin, J., & Cavanagh, K. (2023). Effect of breathwork on stress and mental health: A meta-analysis of randomised-controlled trials. Scientific Reports, 13, 432.
Morgan, S. P., Lengacher, C. A., & Seo, Y. (2025). A Systematic Review of Breathing Exercise Interventions: An Integrative Complementary Approach for Anxiety and Stress in Adult Populations. Journal of Holistic Nursing.
Bentley, T. G., et al. (2023). Breathing Practices for Stress and Anxiety Reduction: Conceptual Framework of Implementation Guidelines Based on a Systematic Review of the Published Literature. Brain Sciences, 13(12), 1612.
Slow breathing for reducing stress: The effect of extending exhale. (2023). تجربة عشوائية لمدة 12 أسبوعًا حول التنفس البطيء والضغط النفسي.

